Yahoo!

الإيجابية والسلبية في المواقف الزوجية

كتبها عبدالله بن علي السعد ، في 13 فبراير 2006 الساعة: 12:25 م

الإيجابية والسلبية في المواقف الزوجية

 

المواقف التي تمر بنا في حياتنا تعلمنا الكثير.. فما تزرعه في نفوسنا من ردود فعل تفوق كل المحاضرات التي يمكن أن نسمعها أو المحاولات التي نحاول من خلالها ترجمة شي قرأناه إلى مواقف واقعية في حياتنا. إنها ليست صدمات وأزمات فقط.. ولكنها مدارج لمن تأمل فيها وتعلم منها.. وهي بقدر ألمها تعطينا فرصة للكمال.. والخلافات الزوجية التي نظن أنها كبيرة قد لا تكون سوى سحابة صيف من ذلك النوع الذي يعلمنا نفسية الآخر، ويقربنا من شريك الحياة.. إننا نحتاج إلى التالي :

-   إعادة النظر في فهمنا لشريك الحياة.. فإن تفاجئنا بالمواقف يدل على وجود جوانب لازالت مجهولة لدينا في شريك الحياة.. وهذا يعني أننا قد نرى شيئا آخر بعد فترة ولذلك وجب علينا إعادة النظر في فهمنا وتقييمنا له.

-   إعادة النظر في تقييم المواقف التي سببت لنا ردات الفعل المتنوعة والتي لم نكن نتوقعها من قبل.. ومحاولة وضع أطر تحدد النسبية وتقرب ت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أشواق وأشواك

كتبها عبدالله بن علي السعد ، في 13 فبراير 2006 الساعة: 12:18 م

أشواق وأشواك

 

سبحان الله..

حتى الطيور تحن..

تذوب أجنحتها شوقاً..

تتألم..

تتعذب..

ومن أجل الوصول لمن تحب..

ترفرف نحو الآفاق..


( 1 )

 

المساحات الخضراء ممتدة.. السهول واسعة تدعو كل متأمل ناشد للسكينة.. الألوان مختلطة فيها.. يمتزج فيها الأخضر بالأحمر.. يعانق الأصفر الأبيض.. الأشجار تحدها.. ونهر يجري يتفرع منه أكثر من جدول.. خرير الماء يكمل قطعة من التسبيح رائعة.. وأصوات الطيور تجاوب همسات الرياح..

 

هذه الأرض سلمت من يد البشر.. هنا حيث لا ضغينة ولا حرمان.. لا حسد ولا هموم.. تشرق الشمس كل صباح ناشرة مع إشراقتها الدفء والحياة. ويظهر القمر كل ليلة ليكسو كل ورقة أثوابه الفضية..

 

الكون أبو الكون.. تهب الأشجار الأوكار والأعشاش للطيور.. ويحنو الزهر على النحل معطياً إياه الرحيق.. وينقل النحل الرسائل بين زهرة وزهرة ليستمر البقاء.. كل شي هنا يقدم للآخر.. يعمل من أجله.. وحين يأتي موسم الرحيل تهاجر الطيور تاركة كل شي.. لكنها تعود لتتزاوج من جديد.

 

-       من أنت؟ قالت الزنبقة..

-       يسمونني الحنون.. وابتسم لها.. أنا من طيور الجبال.

-       قالت بتعجب.. أووه أحقاً!! سمعت أن الحياة عندكم مخيفة.

-       رد مبتسماً.. نعم مخيفة بقدر السعادة.. متعبة بقدر الراحة.. إن تعبنا في حياتنا هو سر بقائنا.

نظر الطائر إلى الأفق.. وبدا يتمتم.. إن قلباً عرف الفضاء.. لن يرضى بالأرض.. ونفساً تعلقت بالذرى لن تقبل بالسفوح.

-       قطعت الزنبقة حبل أفكاره.. وقالت وكيف أتيت هنا؟

-       كنت في رحلتي.. وقادني إلى هذا المكان الهدوء وتناسق الأشياء.

-       نعم.. مكان جميل.. ويبدوا كل شئ متناسقاً.

-       قالت الزنبقة.. نعم.. ولكن…. وصمتت.

-       تفرس فيها الطائر.. ولكن ماذا؟ كأنك تفكرين في أمر.

-       نعم.. الكل هنا متناسق.. ولكنني أشعر بغربة بينهم..

-       كيف؟

-       لازلت صغيرة.. لم أتكيف بعد مع دورة الحياة.

-       ابتسم لها الطائر.. ولكنك ذكية.. وأرى أنك تحملين قلباً طاهراً.. أبيضاً كالثلج.

-       ابتسمت.. يشبه ريشك الجميل.

بدت الزنبقة متعجبة جداً من الحنون.. تخيلته عملاقاً وبدأت تنسج له من خيالها الصور.. تتخيله في القمم.. يزاحم الهواء.. أجنحته القوية تمكنه من الطيران بقوة.. ونظرته الباسمة تسحر الفضاء..

-       هل ستطيل هنا؟

-       لا أدري… ولكن على أي حال لابد أن أرحل ذات يوم.

-       لماذا؟

-       ابتسم لها.. لأن مكاني في القمم.. هناك تكتمل دورتي في الحياة.

لم تعرف الزنبقة أن الحنون كان حزيناً.. كان يبحث عن أرض يحلق فيها.. هذه الساحات لا تستهويه.. إنها تصلح فقط للراحة والاستجمام.. ولكن عليه أن يقدم الكثير.

-       كيف تحب أن أناديك؟

-       ابتسم الطائر.. ما رأيك أنت؟

-       أممم.. أنت أبيض.. وقوي.. وجميل.. أناديك.. ملكي.

-       ابتسم لها الطائر.. وأنت كيف أناديك؟

-       أختر لي أنت.

-       حسناً أناديك.. ابنتي.

-       فرحت الزنبقة.. ابتسمت ولكنها سرعان ماطأطأت رأسها.. وذبلت.

-       مابك.. لماذا الحزن؟

-       أبي سيرحل ويتركني.. سأبقى وحيدة بعدك.

-       ابتسم لها.. أنت لست وحيدة.. انظري حولك. كل هذه المروج قريبة منك.

لم ترد الزنبقة.. لكن قطرات الندى كانت تعبر.

-       اسمعي يا ابنتي.. أتشعرين بالوحدة  وأنت بين الزنابق ؟

-       ….

شعر الحنون بقلبه يتفجر.. لم تكن الزنبقة تدرك أنها بدمعتها تلك غرست في قلبه الخناجر وسقته السموم.. كان غريباً مثلها.. رحل ليبحث عن وطنه.. أشاح بوجهه عنها.. ودون أن تشعر سقطت على خده دمعة.. أقوى القلوب هي تلك التي تذرف الدمع في صمت.. تحترق في صدورهم آلاف الآهات.. تريد الخروج فلا تجد إلا الصمت.. فتتعذب الأرواح.. وفي عزة وعناد يبتسم أصحابها.

في قاموس الحياة لا يوجد قلوب سعيدة بالكامل.. ففي كل قلب مرارة.. من سلم من مرارة الحرمان لم يسلم من مرارة الشوق.. ومن ابتسم لإشراقة بكى لظلمة.. ومن كان محلقاً اشتاق للاستقرار.. ومن استقر حن للرحيل..

كل ما ترى حولك هو قلبي وقلبك.. هو أنا وأنت.. هو ابتسامة الطفل تعانق صرخة الوليد.. وفرحة الولادة تصاحب الآم الطلق.. والحزن على الرحيل يقابل لذة السفر.. والبكاء على الماضي يبشر بالمستقبل..

-       بنيتي..

رفعت الزنبقة رأسها على صوته الحنون.. كانت تفكر فيه.. بدا لها عظيماً.. شعرت بأنس لقربه منها. تمنت أن يفرد أجنحته ليحتويها.. ليضمها ويحميها.

-       ابتسم الطائر.. أتشعرين بالسعادة لو زرتك؟

-       أشرقت أوراقها بابتسامتها.. بالتأكيد يا ملكي.

-       إذا ابتسمي.. فسأكون قريباً منك.

الفرق بين الدمعة والبسمة هو وصول الخبر.. إن الأحداث تجري لتغير المشاعر.. لماذا لا نرى النور في الأحداث إلا بالتعب.. ويمكننا أن نبصر الحزن في كل همسة وحركة.. لماذا تتغير مشاعرنا من أجل كلمة ربما كانت من غريب لا نعرفه؟ لماذا تتعلق قلوبنا وتشتاق؟ لماذا نشعر بتغير الدنيا من حولنا من أجل قلب؟

شمس اليوم هي شمس الأمس.. لماذا نشعر أن كل شي حولنا قد تغير إذا تغيرت مشاعرنا.. النور يظلم.. السماء تسقط.. الماء يجف.. الدنيا تقسو.. وتبقى قلوبنا غريبة تتأثر بكل همسة ونسمة.


( 2 )

 

مرت الأيام كأهدأ ما تكون.. والأيام كالبحر تمر عليها فترات هدوء وسكينة فننعم بخيراتها.. نستمتع بكل لحظة فيها.. ونعيش في أحضان أمواجه تارة.. وتارة على شواطئه.. وبين دره وخيره نتقلب. ثم تتغير الأيام فتكون كأمواج هادرة.. تعلو فلا تعرف معنى للرحمة.. تلك الأمواج التي حملتنا في يوم من الأيام قد تكون هي الأمواج التي تغرقنا.. والقاع الذي يحوي الدر هو ذاته القاع الذي يحتضن الموت.. والشاطئ الآمن الذي نأوي إليه.. يصبح صخوراً تكسر ألواحنا..

حدثته الزنبقة عن نفسها كثيراً.. وحدثها عن نفسه.. حدثته عن بذرة طيبة ألقيت في الأرض.. فأنبتت زهرة خير تكاثرت ونفعت.. ربما حمل البذرة طائر مثله.. حدثته عن أحلامها.. أمانيها.. أفكارها.. عن كل شي في حياتها.. كيف هذا الغصن الرقيق يحوي كل هذا؟ بدت له كنسمة خير.. كصورة ملاك.. كزهرة من الجنة.. تأملها كثيراً.. كانت تحيا في عالم آخر.. بدا لها طائرها الدنيا كلها.. ورأت فيه كل الصور والتخيلات..

حدثها عن السهل والجبل.. عن الصحراء والمروج.. نقل إليها صوراً من العالم لم تكن تتوقعها.. حملها على قمم الجبال.. وعبر بها ساحات الأودية.. كانت رفيقة دربه في رحلاته.. تفرح إذا ذكر موقفاً يفرحه.. وتبكي وتتألم لو شعرت بتعبه في كلماته.. لم تكن الزنبقة سوى طفلة مدللة لطائر محلق.. في صورة غريبة من صور الألفة.. جمعت بين طائر وزنبقة.

أشرقت الشمس.. واستيقظت الزنبقة.. فتحت براعمها لتستقبل يومها وقلبها.. مؤملة أن يأتي مبكراً هذا الصباح فقد شعرت برغبة في الحديث معه.. تشعر بقلق غريب يساورها.. ترى هل سيأتي؟ لماذا تسال نفسها هذا السؤال.. إنه يأتي دائماً.. لماذا تشعر بالقلق هذا اليوم بالذات؟ مالذي تغير عليها؟

نظرت الزنبقة للأفق وسرحت بفكرها بعيداً تنتظر مجيئه.. وبقيت ساهمت حتى المساء.

الطائر ذو الريش الأبيض.. لم يكن بعيداً عنها بقلبه.. كان يفكر فيها كثيراً.. يحلق بجسده.. وروحه تسابق تحليقه.. وقلبه مع زنبقته.. الهواء يقاوم أجنحته.. كأنه يريد أن يثنيه عن التحليق.. وقبل لحظات كان يقاوم ساق الزنبقة لتنثني.

مالذي جعل الحنون يقسو ويغادر الزنبقة دون أن يخبرها عن وجهته.. إنها ليست القسوة.. بل الفرق بين طبيعة الطائر والزنبقة.. الرغبة في التحليق، والوصول إلى القمم العالية كانت تصارع نفس الطائر، بينما كانت التربة الجيدة والمناخ الملائم كافية لتستقر الزنبقة.

هل نختار في حياتنا ما يوافق طبيعتنا؟.. أم أننا نظل كطائر وزنبقة نظن أننا متفقون بينما نحن نحلق في عالم الوهم..

يدور في مرج الزنابق همس عن الزنبقة الصغيرة.. الأقران يتعجبون وبنوع من الغيرة يتكلمون.. يقضون الليل على ضفاف الجدول يتسامرون.. يروون قصة الانتظار، وأحلام الزنبقة.. وينسجون القصص حول الطائر الأبيض..

-       قالت زنبقة: أنا أرى أنها حالمة.

-       ردت أخرى..نعم.. ولكن مافائدة العمر لو كان كله واقعاً.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

أكواخ الظلام

كتبها عبدالله بن علي السعد ، في 13 فبراير 2006 الساعة: 12:15 م

أكواخ الظلام

 

كانت حجرة علوية باردة.. يضيء ظلامها نور القمر إذا أكتمل.. وشمعة تشتعل في خجل فيتوارى ضوئها على بقايا الأشياء التي لا تأخذ من الحقائق إلا اسمها.. سرير هو في الحقيقة قطعة خشب صلبة يتعب الرجل القوي من الاستلقاء عليها.. غطيت ببعض المتاع مما يسمى ملاءة وما شابه ذلك.. ووسادة خشنة غير متساوية.. وصندوق وضع بجانب السرير ليكون خزانة صغيرة للطوارئ.. وصندوق أكبر قليل رصت فيه أسمال فتاة في التاسعة من العمر.. ثوبان باليان يطل منه جسد الصغيرة من أكثر من موضع.. ومنضدة أقل اهتراءً وكرسي أكثر صلابة من السرير.

الجو بارد في هذه الأيام من السنة.. وخوفاً من نشوب الحرائق في العلوية لم يكن هناك موقد للتدفئة.. واكتفى أصحاب البيت بزيادة عدد الأغطية فوق جسد الصغيرة.. وهكذا تمر ليالي الشتاء.

-   مرحباً رُبى.. انتهيت من أداء واجباتي هذا اليوم.. وقلبت بين يديها دمية صغيرة ذات شعر أسود ووجه يرتسم عليه شبه ابتسامة.. بدت تلك الابتسامة لا تخص أحداً سوى "سحر".. ترتدي أثواباً بدت فيها أثار العناية.

-   في نهاية الشتاء سيأتي العيد.. في العيد سأصنع لك ثوباً جديداً.. واكتسى وجه الصغيرة بموجة من الحزن.. ولكن يا رُبى لا يوجد لدي قماش جديد لأخيط لك الثوب.

-       هل ستغضبين مني ؟؟ لا أحب أن يأتي العيد.. لأنني أبكي فيه كثيراً.

-   أتذكرين العيد الماضي ؟.. لم يكن لدينا ما نرتديه.. فقط الملاءة الكبيرة استطعت أن ألتقطها من المهملات.. وصنعت لك ثوباً وجورباً.

-   وعادت سحر إلى الابتسام من جديد.. هذه السنة يبدو أن السيدة الكبيرة ستغير بعض الأثاث.. سأحاول أن أصنع لك سريراً صغيراً بجوار سريري.. سيساعدني العم صالح في توفير بعض قطعه.

-   أحست الفتاة بلذعة الشتاء.. فارتعدت وضمة رُبى إلى صدرها وقامت إلى النافذة.. كان القمر مكتملاً.. أطفأت الشمعة توفيراً لها.. فقد تعودت أن ينتهي الشمع وتبقى أياماً في الظلام.

-   أترين القمر يا رُبى.. يشبه العم صالح.. انظري إليه.. وأجلست رُبى على طرف النافذة.. وجهه يشع بالنور.. وأطفاله الصغار يجرون حوله.. وهناك في وجهه تجاعيد تماماً كما في وجه العم صالح.. ترى هل يشعر هو بالتعب أيضاً.

-   دخلت وأغلقت النافذة.. وعادت تلاعب الدمية.. ثم عادت مسحت الحزن إلى وجهها البريء.. هل تناولت طعام العشاء ؟ اليوم حرمتني السيدة من الغداء لأنني لم أنظف غرفة الجلوس كما ينبغي، وبختني كثيراً وقرصتني في أذني حتى آلمتني.. خشيت أن أبكي أمامها فتضاعف العقوبة.. ولكنها عادت فضاعفت كمية الخبز التي أخذها في العشاء.. أعطتني خبزة كاملة.. بدت لي لطيفة هذا المساء.

-   لقد بدأت تكبرين يا رُبى.. وستذهبين إلى المدرسة هذا الصيف.. ولأن أمك لا تعرف الطريق إلى المدرسة فسأقيم لك فصلاً خاصاً بك هنا.. وسأعلمك الحروف والكلمات.. عندها يمكنك أن تكلميني في الليالي المخيفة.

-   أنا لن أذهب إلى المدرسة هذه السنة أيضاً.. سمعت السيدة الكبيرة تقول أن مصاريف المدرسة كثيرة.. كما أن المرض منتشر هناك.. ولكن لماذا لا يصيب المرض "رنا".. ربما لأنها سمينة يمكنها أن تتحمل. ولكن أنا ضعيفة. لا يهمني كل هذا.. لقد علمني العم صالح الحروف.. كما أنني أقضي ليلي معك تماماً كما تفعل رنا إذا ذهبت إلى المدرسة.

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

قلب بين الجدران

كتبها عبدالله بن علي السعد ، في 13 فبراير 2006 الساعة: 12:00 م

قلب بين الجدران

 

وقفت طويلاً أمام الباب المصبوغ حديثاً.. لا أدري كم من الوقت مر علي وأنا واقف، ولكن الخواطر التي مرت في ذاكرتي قاربت ثمانية عشر عاماً. مددت يدي إلى الباب أتحسسه.. لقد تغير، ولكن الجدران لازالت كما هي.

 

دفعت الباب بهدوء ففتح أمامي كعادته دائماً.. تخيلت أنني سألتقي بالعم قاسم.. رجل كبير في السن أتخيل أنه قد تجاوز المائة عام بظهره المتقوس، ولحيته البيضاء، ويده التي يرميها دائماً خلف ظهره إذا مشى كعادة بني قومه. أصله من تركستان جاء فراراً من الشيوعية ليستقر في مدينتي.. وأصبح مؤذن المسجد.

 

كان المسجد خاوياً.. حتى العم قاسم لم يكن موجوداً في مكانه المعتاد خلف الإمام.. توجهت مباشرة إلى غرفة في زاوية الفناء.. كانت مغلقة.. حاولت دفع الباب ففتح، وارتسمت ظلي على الجدار المقابل للباب، وقفت أتأمل الظل، لقد تغير كل شي.. دخلت الغرفة ووقفت أنظر للأثاث البسيط.. تعودت عيناي على الإضاءة الخافتة الناتجة عن بقايا الشمس في الخارج.. ثم تقدمت في بطء لأقف أمام مكتب من مكاتب التحفيظ الصغيرة.. جلست أمام المكتب وتحسست خشبه.. وارتفع صوت الأطفال من حولي وهم يقرؤون القرآن.. تذكرت أحمد البخاري وهو يقرأ القرآن ويهتز.. وفي الزاوية صالح السوداني يحاول أن يختفي خلف جاره حتى لايراه الشيخ.. هنا كان عبدالعزيز اليمني يتحسس أثر ضربة تلقاها من الشيخ على فخذه لأنه لم يتم الحفظ.. وتوفيق يجلس قبالة الشيخ يسمع ورده.. وطفل صغير واقف على الباب في تردد، ينظر إلى الأطفال ويحسدهم، يتمنى أن يناديه الشيخ لينضم إلى الأطفال في الحلقة..ولكن الشيخ المتعب بمن حوله لم يكن يفكر أن يضيف هماً إلى همومه.

 

سمعه ذات مرة يقول للعم قاسم:

 

-       هؤلاء الأطفال متعبون.

 

-   العم قاسم كعادته يكتفي بالصمت وينظر إليّ في هدوء، ثم يعود ليتابع التسبيح على مسبحة خشبية عتقيه، هي بلا شك ذكرى زيارة للحرم المكي أو المدني.

 

-       لا يريدون الحفظ.. يحبون اللعب.

 

-       في عربية متكسرة يجيب العم قاسم: استقفر الله.

 

-   أنت يا عم قاسم لا تعلم شيئاً. ويتركه متوجهاً إلى غرفته وفي يده عصاه المكسوة باللون الأحمر.. لا أدري لماذا لونها بهذا اللون؟ هل ينوي أن يضرب الأطفال حتى تدمي أكفهم ولا يعلم أهلهم بذلك.

 

أفقت من تأملاتي وعدت للغرفة الصامتة.. ثمانية عشر عاماً مرت على هذا المكان.. تغير العالم وبقيت هذه المساحة ومساحة أصغر منها في نفوسنا ثابتة لم تتغير.

 

في الأدراج الخشبية المهترئة وضعت نسخ قديمة من المصاحف كانت تطبع في باكستان والهند. أخذت نسخة منها، كتبت بخط يشبه الأردو، كيف كنا نقرأ فيها؟

ارتفع الصوت من جديد..

 

-       (عم يتساءلون، عن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb